معلومات
إننا نعيش في أزمنة متناقضة. ففي داخل بيئاتنا التي تزداد فيها "الوسطية"، تصبح الحقيقة محيرة، وللمفارقة فإن هذا الأمر قاد إلى شكلانية جديدة، وكأننا نسعى للعودة إلى الرمزية الباطنية للماضي. إننا أنواع بشرية سريعة التمدن، ومع ذلك فكل مانتج عن ذلك حتى الآن، هو نزعة ريفية جديدة متزايدة النمو.
إن إنتاج المعرفة يجب أن يتأتى عن ارتباط نزيه وغير منحاز مع الواقع. وإذا كانت البيناليات معنية بأن تكون محافل لإنتاج معرفة جديدة، فيجب عليها أن تكون متحررة من قيود المركزية الأوروبية والعولمة ومن أي مذهب آخر.
وكما كتب كين لوم في دليل بينالي الشارقة السابع: "إن الانتقاد في مجال الفن قد تم تحديده على نحو كبير وفق المعايير الأوروبية - الأمريكية للفهم التاريخي للفن، وليس وفق سياسات الاختلاف مع تقاطعاته بنقاشات مابعد الكولونيالية والنسوية ومعاداة العنصرية".
وهذا تحول يبتعد عن الدراسات النظرية للجوانب "الكونية" للطبيعة البشرية ومقاربة غير نقدية للحداثة باتجاه استكشاف العالم الذي يؤخذ كنقطة انطلاق لما هو محلي، وتسليط ضوء على الممارسات المتنوعة والمعقدة التي تؤسس لثقافة أو مجتمع سياسي أو طريقة في العيش موجودة سلفاً.
إن الشارقة مكان طبيعي ومشيد في الوقت نفسه. إنها تحتضن الماضي وتقف على الحاضر وتتأمل مسيرتها المتواصلة نحو المستقبل. وبينما أستمد الإلهام من حيويتها أريد أن أقدم لها بينالياً يسائل أنواع الممارسات الممكنة عبر الفن وأنماط المعرفة التي يمكن تقديمها. إنني أتصور بينالياً يخطو باتجاه مناطق لم تكتشف من قبل ويحرض الفنانين والمعماريين والمصممين والعلماء والمهندسين لخوض التجارب بممارسات جديدة.
إن "الصحن"، وهو ساحة الدار في العمارة الإسلامية، مع البركة المنحوتة والنافورة وموقعها في المركز من هذا الصحن لهو مصدر إلهامي. أريد أن أبتكر نافورة للأفكار تتدفق للأعلى باستمرار، وخلف البينالي يبقى هناك مكان بوسعنا العودة إليه مراراً وتكراراً. فالنافورة كريمة ومضيافة لكنها ليست مفتوحة للجميع على نحو عشوائي.
إن من يريد أن يستمد المعرفة من هذه النافورة عليه أن يكون منضبطاً. والانضباط يطرح أسئلة لا يمكن تجنبها مثل: هل تعرف طريقة استخدام هذا؟. هل تعرف لماذا؟. هل تستخدمه لأغراض تتعلق بالحياة؟.
يستمد اقتراحي للبينالي من تقاليد الشارقة في الشهامة والانضباط. وما سينشأ سيكون أكثر من مجرد سلسلة من المعلومات مبثوثة إلى المتلقّي على نحو معروف وسطحي. سيعمل البينالي كفضاء يجذب عقول الزوار، يتحدث إلى أفئدتهم ويحرّضهم جسدياً وعقلياً.
المتاهات وساحات المنازل الإسلامية التي يمكن رؤيتها في الشارقة وتلك التي أصبحت جزءاً من الثقافة العربية تبعث على الإلهام. في أجزاء متعددة من العالم التي طبقت فيها ثقافة ساحة المنزل تدمج هذه الساحات عناصر الفضاء العام والخاص على حد سواء، بتوازن ما بينهما رغم الاختلاف. ساحة المنزل هي مكان مليء بالوعي الحاد بالتاريخ والثقافة المحليين. تنتشر ساحات المنازل منطلقة من العالم الإسلامي إلى الحمراء ومناطق اسبانية أخرى، والبرتغال ومناطق البحر الأبيض المتوسط، وكذلك إلى المكسيك وأمريكا الجنوبية. كما أنها أصبحت سائدة في شمال أفريقيا. وقدمتها الامبراطورية المغولية إلى الشرق وهي تشق طريقها إلى الهند والصين واليابان. هذه "الطبولوجيات" الثقافية الجديدة والمعرفة الجديدة التي ولدت من خلال تفاوض ما بين داخل هذه الساحات وخارجها، قدمت لي أساس الموضوع للبينالي.
إن أيّ بينالي يشبه ورشة عمل تشترك فيها مدينة بكاملها، وذلك بهدف ابتكار فضاءات اجتماعية، وفي حالة الشارقة أريد أن أبتكر فضاءات اجتماعية تجمع المقيمين لفترة طويلة مع القادمين الجدد، وذلك بغية التشجيع على إعادة اكتشاف الثقافة الاسلامية، بما في ذلك ثقافة ساحة الدار، وإظهار كيف يمكن لهذا الـ "DNA" أن يزدهر من خلال التعبير الفني المعاصر، وأن يؤثر في مواقع أخرى. تتضمن رؤيتي تقديم منظورات جديدة لفنانين معاصرين، وتوليد معرفة جديدة داخل المجتمع المحلي للشارقة.
إننا نعتزم بناء مساحات اجتماعية وفق مستويات مختلفة باستخدام ما هو موجود من ساحات المنازل ومتاهات في منطقة التراث والمواقع الفنية الجديدة على حد سواء. سيتم تصميم شبكة المساحات بطريقة بحيث تقود الناس من المواقع التي تتضمن الأعمال الفنية في المناطق العامة إلى مساحات داخلية وفق مستويات مختلفة، ترفع من سوية الحوار بدرجات مختلفة من الحميمية والحدة. وبهذه الطريقة ننوي ابتكار مدينة فنون غير مرئية.
سيشارك في البينالي بجوانبه المختلفة عدد من المعماريين، بدءاً من تشييد أبنية على نطاق ضيق (جناح أشبه بالهياكل) وصولاً إلى ابتكار تقاطعات داخل المساحات والتعاون مع الفنانين. سيكون هناك فنانون في مجال الفنون البصرية تباعد أعمالهم بين مجالي الفن والعمارة. كما سيتضمن البينالي مهندسين معماريين يعملون مع النحاتين لابتكار تراكيب تجريبية.
المساحات التي بنيت مؤخراً والتابعة لمؤسسة الشارقة للفنون ستشير إلى هندسة ساحة المنزل التراثية التقليدية. ستبتكر الأبنية المحيطة التي يتردد صداها عبر الزمن، وكذلك المنظر التراثي حواراً مع المساحة الجديدة. وبالإضافة إلى ذلك، ستكون أسطح الأبنية الستة مترابطة بحيث تبدو للعيان مشهداً واحداً عندما يتم النظر إلى الأسفل، حيث ساحات المنازل والمتاهات التي تشق طريقها عبرها، وإلى الناس الذين يسيرون في الأسفل.
من بين أهداف هذا البينالي ابتكار مساحات اجتماعية جديدة وتوليد معرفة داخل هذه المناطق، والتي ستنقل إلى مدينة الشارقة والعالم ككل، عبر الناس الذين اختبروا تجربة هذه المساحات ومن ثم مضوا في اتجاهات مختلفة. سيتمكن الفنانون المشاركون من ابتكار علاقات مكانية مختلفة في ساحات المنازل صالات العرض، على الأسطح وفي المدينة. وبكلمات أخرى، فإن المساحات التي تم ابتكارها ستشكل بنفسها قلب البينالي، وستشكل أعمال الناس داخل هذه المساحات نوعاً من النحت الاجتماعي. سيضيع الناس وسيتحملون مِحَناً أخرى قبل أن يصلوا إلى ساحات المنازل، وحالما يصلون سيشربوا من نافورة المعرفة الجديدة ويساهمون فيها. أحد أهداف البينالي هو توليد هذا النمط من الجو والفضاء من أجل التبادل المعرفي.
يوكو هاسيكاوا، ديسمبر/ كانون أول ٢٠١١