السماعي

ظهر قالب السماعي في قسم السماع بحلقة الذكر المولويّة في وقتٍ ما في القرن الخامس عشر، ظهر كقالبٍ غنائيّ ثمّ بعد ذلك بقرنٍ أو أكثر ظهر شكلٌ آخر له وهو شكلٌ آليٌّ لا غناء فيه، على أنّ هذا الأخير ظلّ في كنف الطريقة المولويّة حتّى تبنّاهُ موسيقيّيو البلاط العثمانيّ ليكون أحد قوالب الموسيقى الفصحى العثمانيّة، وللسماعي عدّةُ أشكالٍ في التقليد الموسيقيّ التركيّ على أنّ هذا ليس محطّ حديثنا اليوم، لكن نقصر حديثنا على ما دخل منها إلى الموسيقى العربيّة.

قالب السماعي هو أحد القوالب الآليّة التي يمكن أن تُستهلّ بها الوصلة المقاميّة وكذلك يمكن أن يُعزف في وسط الوصلة كاستراحةٍ للمطرب بين الموّال والدور، أو بين الدور والقصيدة في آخر وصلة. والشكل الذي وصل به السماعي إلى التقليد الموسيقيّ العربيّ هو كالتالي: أربعُ خاناتٍ في إيقاع السماعي الثقيل ذا العشر نبضات، تنتهي كلّ خانةٍ منها بتسليمٍ وهو لحنٌ ثابتٌ في كلّ الخانات متّصلٌ بكلّ واحدةٍ منها على حدةٍ حسب مقامها. ويخرج التسليم إلى لازمة، التي هي عبارةٌ عن لحنٍ يُعاد بعد كلّ خانة، لكنّها تنفصل عنه وهي التي تحدّد مقام السماعي، واللازمة هي الأخرى تنتهي بآخر جزءٍ من التسليم الذي سبق الحديث عنه . من هذا الشكل نستمع إلى سماعي ثقيل بيّاتي وهو من الأعمال المشهورة في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين على أنّه مجهول الملحّن، وخانة هذا السماعي الأولى هي وحدةٌ واحدة في ضرب السماعي الثقيل من مقام الجهاركاه، وتسليمه وحدتين تسلّم إلى مقام البيّاتي الذي هو مقام اللازمة بالطبع، أمّا خانته الثانية فهي في الراست من وحدتين إيقاعيّتين والثالثة من وحدتين كذلك في الحجاز والرابعة مماثلة لكن في الصبا. نستمع إلى هذا العمل من تخت سامي أفندي الشوّا على الكمان وعبد الحميد أفندي القضّابي على القانون وإبراهيم أفندي القبّاني على العود، التسجيل لشركة الجراموفون حوالي عام 1920 على وجهٍ واحد قياس 25 سم إصدار رقم 7-218015 مصفوفة رقم BD 1586.

أمّا الشكل الأكثر انتشاراً وهو المعمول به إلى يومنا هذا، فهو الشكل الذي استقرّ عليه السماعي في موسيقى البلاط العثماني في القرن التاسع عشر، وهو ثلاث خاناتٍ ولازمةٍ في إيقاع السماعي الثقيل وخانة رابعةٍ في إيقاعٍ آخرٍ يُرجّح أن يكون ثلاثيّاً كاليُرُك أو سنكين سماعي أو السماعي الطائر أو الدارج، تكون الخانة الأولى والازمة والخانة الرابعة في عين مقام السماعي ويمكن تغيير المقام جزئيّاً أو كلّيّاً في الخانتين الثانية والثالثة، ويمكن وضع تسليمٍ بين كل الخانات واللازمة، أو بين بعض الخانات دون أخرى وبين اللازمة أو أسقاطها تماماً. وعادةٍ ما تكون اللازمة التي تعاد بين الخانات مساويةً لها في الوحدات الإيقاعيّة أو أصغر منها لكن لا يجب أن تكبرها. من هذا الشكل نستمع إلى سماعي في المحيّر وهو أحد فروع البيّاتي تلحين جميل بيك الطنبوري، وهو أحد أشهر موسيقيو البلاط العثماني نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، ولنلاحظ أنّ التسليم الذي هو بين الخانات واللازمة مسقطٌ تماماً من العمل ولا انتقالات نغميّة إلا في الخانة الثانية إلى فرع الكارجهار وهو أيضاً أحد أفرع البيّاتي، ولنلحظ تغيّر الإيقاع في الخانة الرابعة إلى السنكين ذا النبضات الستّ، نستمع إلى هذا السماعي من فرقة الموسيقى الشرقيّة التابعة للإذاعة اللاسلكيّة للحكومة المصريّة والمكوّنة من عبد الفتّاح صبري على العود ومحمّد عبده صالح على القانون ولبيب حسن على الكمان وإبراهيم عفيفي على الإيقاع، وهو مقتطعٌ من وصلةٍ في المحيّر أداء عبد الحيّ كان قد عُزِف كمقدّمةٍ لها.

نلاحظ أنّ قالب السماعي هو قالبٌ قصير المدّة إذا ما قورن بقالب البشرف، لذا تكثر فيه الإعادات أحياناً من بعض الفرق في الأداء الحي كما هو الحال في النموذج الذي استمعنا إليه

من الموسيقيّين العرب الذين حذوا حذو موسيقيّيو البلاط العثماني في تأليف هذا العمل كثيرين نذكر منهما صفر بيك علي وإبراهيم العريان، ومن ألحان صفر بيه علي نستمع إلى سماعي جهاركاه أداء مصطفى بيك رضا على القانون، صفر بيك علي على العود ومصطفى بيك ممتاز على الكمان، التسجيل لشركة هز ماسترز فويس المنبثقة عن الجراموفون على وجهٍ واحدٍ قياس 25 سم حوالي عام 1928 إصدار رقم 7-19750 مصفوفة BF 2601

ومن أكثر السماعيّات التي انتشرت في منتصف القرن العشرين وتُعزف وكأنّما نشيد قوميّ للمعاهد الموسيقيّة العربيّة سماعي بيّاتي تأليف إبراهيم العريان، نستمع إليه من إبراهيم العريان نفسه والذي سجّله لشركة بيضافون حوالي عام 1938 على وجهٍ واحد قياس 25 سم لشركة بيضافون رقم B-0100189

هناك نوعٌ من السماعي ظهر في القرن السابع عشر نختم به حلقة اليوم وهو السماعي الدارج، فعلى أنّه ليس هو الشكل الذي استقرّ عليه السماعي أخيراً كما سبق الذكر، لكنّه شاع في الموسيقى العربيّة، أشهرها سماعي دارج في البيّاتي وآخر في الحجاز، وكليهما مجهول النسب. إذا أخذنا المراجع العربيّة لكن، إذا عدنا إلى كتاب علي أفقي بيه، نجد تدويناً لسماعي دارج الحجاز منسوبٌ إلى مدني مصطفى عطري، ومدني هنا أي أنّه قادمٌ من المدينة المنوّرة، ومصطفى عطري من أشهر الموسيقيّين العرب في البلاط العثماني في القرن السابع عشر، نستمع إلى هذا السماعي وهو في إيقاع الدارج كما هو واضح من نسبه، وهو إيقاعٌ ذا ثلاث نبضات وهو أكثر الإيقاعات الثلاثيّة شيوعاً حتّى أُطلق عليه الدارج لكثرة انتشاره، نستمع إليه من سامي أفندي الشوّا الكمانجاتي وزكي أفندي القانونجي وبترو أفندي العوّاد والشيخ علي الدرويش الناياتي لشركة بيضافون والتسجيل في بيروت حوالي عام 1924 على وجهٍ واحد قياس 27 سم رقم b-084497

إلى هنا نصل إلى ختام حلقة اليوم من برنامج نظامنا الموسيقيّ وإلى أن نلقاكم في حلقةٍ جديدة نترككم في الأمان.