غافن يانتس: أداة التغيير

نص الحوار

غافن يانتس: أردتُ الاستماع إلى مقطوعة موسيقية لصديقي عبد الله إبراهيم، لأن الاستماع إلى تلك المقطوعة، بغض النظر عن معرفتك بعبدالله من عدمها، يثير فيك شعوراً بالجمال، ويستحضر فيك إحساساً بالتعاطف، مما يجعل هوية الموسيقي أو الموسيقية، ومعتقداته أو معتقداتها السياسية، تنتقل إلى المرتبة الثانية من التساؤلات التي تتبادر إلى ذهنك، بعد التساؤل الأول عما إذا كانت هذه المقطوعة من موسيقى الجاز المعاصرة جيدة، أم هل هذا عمل فني بصري جيد؟ من هنا تأتي البداية، وكل ما سواها يجب أن يكون ثانوياً. 

 

حور القاسمي: أنا مضيفتكم، حور القاسمي، فنانة وقيّمة ورئيسة مؤسسة الشارقة للفنون، وأنتم تستمعون إلى بودكاست "نتحدث فناً". في هذه الحلقة، يحدّثنا الفنان غافن يانتس والقيّم صلاح حسن حول الأفكار التي انطلق منها المعرض الاستعادي الأول ليانتس "أن تكون حراً". 

يتأمل فن يانتس عدة حركات سياسية وجمالية على مدى الخمسين عاماً الماضية، من النضالات ضد الفصل العنصري في جنوب إفريقيا إلى مختلف الحركات المناهضة للاستعمار حول العالم وموروثات العبودية.

وبحسب ما قاله صلاح، فإن المعرض، الذي يقام حالياً في الشارقة، يؤكد الأدوار الاستثنائية التي لعبها غافن في تعزيز الخطاب المتعلق بفنون إفريقيا والشتات الإفريقي وتمثيلهما. 

 

حور القاسمي: أنا مضيفتكم، حور القاسمي، فنانة وقيّمة ورئيسة مؤسسة الشارقة للفنون، وأنتم تستمعون إلى بودكاست "نتحدث فناً". في هذه الحلقة، يحدّثنا الفنان غافن يانتس والقيّم صلاح حسن حول الأفكار التي انطلق منها المعرض الاستعادي الأول ليانتس "أن تكون حراً". 

يتأمل فن يانتس عدة حركات سياسية وجمالية على مدى الخمسين عاماً الماضية، من النضالات ضد الفصل العنصري في جنوب إفريقيا إلى مختلف الحركات المناهضة للاستعمار حول العالم وموروثات العبودية.

وبحسب ما قاله صلاح، فإن المعرض، الذي يقام حالياً في الشارقة، يؤكد الأدوار الاستثنائية التي لعبها غافن في تعزيز الخطاب المتعلق بفنون إفريقيا والشتات الإفريقي وتمثيلهما. 

 

هذا مجال واسع لتغطيته في بودكاست واحد، ولكن نعتمد على ضيوفنا اليوم لمساعدتنا على تحقيق ذلك.

لنبدأ بنبذة مختصرة عن الضيفين الكريمين، غافن يانتس هو فنان وناشط وقيّم ومعلم، تمتد ممارسته على مدى خمسة عقود، ويستكشف في عمله الذي يشمل الرسم والنحت والطباعة ثيمات تعكس التزامه طويل الأمد بالنشاط في مجال حقوق الإنسان. أما صلاح حسن فهو قيّم ومحرر وأستاذ متميز في الفنون والعلوم في قسم دراسات الفن الإفريقي في جامعة كورنيل، بالإضافة إلى كونه المدير المؤسس لمعهد إفريقيا، مؤسستنا الشريكة هنا في الشارقة.

مرحباً بكما. 

 

صلاح حسن: مرحباً بكم

غافن يانتس: مرحباً بكم. 

حور القاسمي: أهلا بكم في "نتحدث فناً"، نحن في غاية السعادة لوجودكما معنا في هذه الحلقة. غافن ينضم إلينا من أوكسفورد، وصلاح هنا معنا في الاستوديو [في الشارقة].

حور القاسمي: غافن، هل يمكنك الحديث عن مسيرتك الفنية؟ نعلم أنك ولدت في العام الذي شهد تطبيق الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وأنك اضطررت للمغادرة في عام 1970 كلاجئ سياسي. كيف كانت تلك السنوات المبكرة في كيب تاون، وكيف أثر ذلك عليك، كشاب وكطالب فنون؟ 

 

غافن يانتس: لقد ولدتُ، كما تفضلتِ، في العام الذي سيطر فيه نظام الفصل العنصري على السلطة، وعشتُ تحت حكمه حتى غادرت في عام 1970، حين أصبحت في العشرين من عمري. من أهم معالم تجربتي تحت الفصل العنصري هو دوره في إجبار السود على تشكيل مجتمعات خاصة بهم وتولّي شؤونهم بأنفسهم لأن الدولة لم تكن مسؤولة، حيث امتنعت الدولة عن أداء دورها، ولم يكن ثمّة أي نشاط ثقافي تديره لصالح السود، إلا إذا كان مؤيداً للفصل العنصري، فكل ما يخص حقوق الإنسان كان مرفوضاً بالنسبة لها، لذلك تضافرت المجتمعات وقامت بدورها. نشأتُ في مجتمع كان يسمى الدائرة السادسة، في قلب كيب تاون، بجوار مركز المدينة مباشرة، لكنها اعتُبرت منطقة بيضاء في مرحلة لاحقة.

 

نُقلت 800,000 عائلة وهُدم المكان بالكامل، وما تزال كيب تاون تضم مساحة شاسعة فارغة في قلب المدينة شاهدةً على ما فعلوه في عام 1970. 

 

كان هذا المجتمع الذي دمروه استثنائياً، حيث اجتمعت فيه مؤسسات مختلفة مثل المساجد والكنائس، والمدارس ومجموعات التعليم، واحتضنت نشاطاً ثقافياً خاصاً، وبرنامجاً ثقافياً. من أهم الفعاليات التي احتضنها المكان كان إنشاء مركز فنون للأطفال، لأنني التحقتُ به منذ كنتُ في الثالثة من عمري، حيث كان بجوار منزلي في نفس الحي السكني.

 

كنتُ أستطيع المشي إلى هناك في الصباح، والذهاب إلى روضة الأطفال، وفي فترة بعد الظهر، كانت الروضة تصحبني إلى مركز الفنون، مما ساهم في انخراطي بالفن منذ الثالثة، أي منذ وقت طويل فعلاً. 

 

كان ذلك ممتعاً، وتعلمتُ فيه كيفية حل المشاكل والتحلي بالإبداع. كان تعلّم الفن من أبرز المجالات الإبداعية التي يمكن الالتحاق بها، ووسيلة لتطوير مهارة التعبير عن الذات.

 

كان التعبير عن الذات والإبداع إحدى وسائل معالجة حالة الجمود السياسي التي خلقها الفصل العنصري، وأعتقد أن تلك كانت لحظة محورية في حياتي، من حيث إدراك النشاط الثقافي، باعتباره وسيلة إنسانية تعرّي لاإنسانية نظام الفصل العنصري والتمييز الذي كان يمارسه، والتحلي بالقدرة على إيجاد حلول كي تكون إنساناً مبدعاً.

 

شجعني مجتمعي على ذلك، وبالتالي كانت النشأة تحت الفصل العنصري نشاطاً استثنائياً أشبه بأليس في بلاد العجائب، وأصبح أكثر بروزاً وتميزاً عندما ذهبتُ إلى جامعة كيب تاون، التي كانت جامعة بيضاء بموجب إعلان الدولة.

لذلك تمكنت من دخول الجامعة ومدرسة مايكليس للفنون الجميلة، التي لا تزال موجودة حتى اليوم، كطالب أسود وحيد في مدرسة الفنون بأكملها، كان ذلك في عام 1966، وتخرجت فيها أخيراً عام 1969، ثم التحقت عام 1970 بأكاديمية الفنون في هامبورغ.

وبالتالي تعلّمت أساساً كيفية إيجاد مخرج من قيود الفصل العنصري باستخدام إبداعاتي.

 

حور القاسمي: أشكرك لمشاركتنا قصتك. بالعودة إلى عام 1970، العام الذي غادرت فيه جنوب إفريقيا إلى ألمانيا، نعلم أنك في هذا الوقت كنت منجذباً بشدة إلى فن الطباعة وكنت أيضاً تدمج تقنيات الكولاج معه.

غالباً ما تناولت أعمالك من الكولاج ومطبوعات الشاشة التجريبية الاستعمار الأوروبي، وأثنت على قادة الحراك المناهض للاستعمار والعنصرية، والتقطت فظائع الفصل العنصري، وتبرز من الأمثلة على هذه الأعمال سلسلة "كتاب تلوين جنوب إفريقي". 

هل يمكنك الحديث عن دوافعك لإنتاج الأعمال المطبوعة في تلك الفترة؟ 

 

غافن يانتس: حسناً... كانت الطباعة هي ما نستطيع تحمل تكلفته كفنانين سود [يضحك]. كان المال شحيحاً، ولم يكن الفن يُدرّس في العديد من المدارس، سواء رياض الأطفال أو المدارس الابتدائية أو الثانوية، لكننا تعرضنا لجميع أنواع الوسائط الإبداعية.

أحدها كان فن الطباعة وكان ما نستطيع تحمل تكلفته. يمكنك الخروج لشراء الأغراض أو الذهاب إلى متجر ديكور داخلي وشراء قطعة زائدة من اللينوليوم، واستخدام الأجزاء الداخلية من مظلة، وتثبيتها على قطعة خشب، كما يمكنك فعلياً صنع أداة للقطع، بهدف قطع صورة في اللينوليوم، ثم يمكنك استخدام دهان الخشب الأسود، على غرار المواد المستخدمة في تلميع الأحذية، واستخدامها كحبر طباعة.

 

حور القاسمي: هذا تصرف ذكي.

غافن يانتس: وإذا كان بإمكانك تحمل تكلفة قطعة من الورق، لا أعتقد أن حجم A4 كان حتى معياراً للورق في ذلك الوقت، أو يمكنك الذهاب إلى مطبعة الصحيفة المحلية والحصول على لفة من القصاصات الزائدة، التي تبقى في نهاية اللفة، ولم يعد بالإمكان استخدامها في الآلة.

 

كان هناك على الأقل 50 متراً من ورق الصحف في بعض الأحيان، ويمكن استخدامها. هكذا بدأنا، والكثير من الفنانين في جنوب إفريقيا لا يزالون حتى اليوم يسلكون هذا الطريق لأنهم لا يستطيعون تحمل تكلفة شراء دهانات زيتية مناسبة وقماش مناسب وامتلاك مرسم وجميع المتطلبات الأخرى ليكونوا فنانين محترفين، أو حتى شبه محترفين.

لذلك كنتُ أجلس في مطبخ أمي، أصنع قطعاً خشبية على طاولة المطبخ في المساء بعد العشاء بمجرد إخلاء كل شيء، وطباعتها بحبر مناسب وفرك المطبوعات يدوياً بملعقة خشبية وصنع مطبوعة واحدة كل مساء، والعودة في المساء التالي، وصنع مطبوعة ثانية، وإنتاج نسخة جديدة على مهل. 

 

وهكذا بدأتُ. ثم عندما ذهبتُ إلى "مدرسة الراوتش"، وحظيتُ هناك بفرصة لاستخدام طباعة الشاشة الفوتوغرافية، وغالباً ما ينسى الناس أن شركة كوكا كولا هي التي قدمت طباعة الشاشة كتقنية جديدة.

حيث استخدمتها الشركة لطباعة الملصقات على زجاجات كوكا كولا. لذلك كانت هناك هذه التقنية التي قرر الفنانون بعد ذلك أخذها واستخدامها لأنها تتيح نقل صورة من وسيط إلى آخر عبر طباعة الشاشة.

 

أعتقد أن التقنية المستخدمة اليوم هي التقنية الرقمية. لذلك كلما كانت هناك تقنية جديدة للصورة، يتعلمها الفنانون ويستخدمونها، وهذا ما فعلته. وعندما ذهبت إلى ألمانيا، إلى أكاديمية الفنون هناك، كان لديهم مرافق كاملة للقيام بذلك.

ثم التقيت لاحقاً بطبّاعَين محترفين هما فلوريان بور وبيتر غوتشر، وعلّماني كل ما أعرفه عن الطباعة. وكان ذلك مذهلاً لأن جودة ما كانوا يقدمونه كانت استثنائية بحق.

 

ذات يوم عندما ذهبت إلى لندن، إلى استوديوهات كالبرو في لندن، كانوا يطبعون لصالح "مارلبورو غرافيكس" وينفذون المطبوعات الشهيرة لفناني البوب في لندن. نظروا إلى عملي وقالوا: لكن هذه ليست طباعة شاشة.

إنها دقيقة جداً، ورقيقة جداً. يجب أن تستخدم طباعة الأوفست. لكنني عارضتهم وقلت إن هذه طباعة شاشة. وأتذكر أنني خرجت من الاستوديو وقلت: يا إلهي، أنا أفعل شيئاً لا تعرف هذه الورشة المختصة بطباعة أعمال فناني البوب أي شيء عنه. 

 

كانوا في حيرة تامة من إمكانية طباعة مطبوعات ذات جودة عالية جداً باستخدام الشاشة. تمثلت الصعوبة في ذلك الوقت في مدى صغر النقطة التي يمكنك طباعتها فعلياً من شاشة. وكان الطبّاعين في هامبورغ قد طوروا طريقة معينة، والتي أعتقد أن معظم الناس يستخدمونها في الوقت الحاضر، ولكنها كانت فريدة إلى حد ما آنذاك. 

وقد أتيح لي في الواقع فرصة استخدام هذه التقنية الرائعة.

 

حور القاسمي: هل يمكنك أن تخبرنا المزيد عن "كتاب تلوين جنوب إفريقي"؟

غافن يانتس: حسناً، عندما وصلت إلى معهد التعليم العالي في هامبورغ، أدركت أن زملائي من الطلاب الألمان كانوا مهتمين للغاية بوحشية حرب فيتنام، ولكنهم كانوا غافلين تقريباً عن حقائق الفصل العنصري. لذلك قررت أنني في يوم من الأيام سأصنع شيئاً من شأنه تثقيفهم بأبسط طريقة ممكنة عمّا يحصل في جنوب إفريقيا.

 

ولهذا أنتجتُ هذه المجموعة المكونة من 11 مطبوعة في مجلد واحد، وصُممتها في الواقع كمجموعة متعددة لأنها كانت شائعة في ذلك الوقت وكان الفنانون يصنعونها إلى جانب أشكال أخرى من كتب الفن. 

لذلك سُمي كتاب التلوين كتاباً، وجاء ليقدّم ككتابٍ وليس كسلسلةٍ من المطبوعات المؤطرة والمعلقة على الحائط، إلا أنها استغرقت مني وقتاً طويلاً جداً. 

أعتقد أنني أمضيت أول عامين في هامبورغ في البحث وجمع الحقائق، والذهاب إلى مكاتب اليونسكو في باريس، واستخدام أرشيفه، والسفر إلى برلين الشرقية لاستخدام أرشيفات المؤتمر الوطني الإفريقي، والسفر إلى حركة مناهضة الفصل العنصري في لندن واستخدام أرشيفاتهم، والدخول إلى أرشيف الصور لمجلة شتيرن وسرقة الصور من أرشيفهم.

 

يجب أن أعترف بذلك اليوم. جهّزت كاميرا مع فيلم أبيض وأسود أمام تلفازي، ولجأت إلى أخذ الصور المعروضة على الشاشة من أي فيلم وثائقي معروض. تعلمت فعل ذلك ثم كيفية استخدام تلك الصور، واستخدمتُ بعضها لاحقاً في صنع مطبوعاتي.

كان لدي معلم استثنائي، إنه صديق قديم، ومصور يصنع مواده الكيماوية والمثبتة بنفسه، وقد علمني طريقة صنع صور عالية الدقة لطباعة الشاشة. 

لذلك تمكنت من إنتاج هذا الكتاب، وجلّ ما أردت القيام به من خلاله كان تجاوز حدود ما يُسمى إصداراً في ذلك الوقت، حيث انتشرت آنذاك قواعد محددة حول صناعة مطبوعة بكميات معقولة. 

 

على سبيل المثال، كان من المفترض التوقيع في الزاوية السفلية اليمنى، وذكر رقم النسخة في الزاوية السفلية اليسرى، وكان من المفترض الطباعة على ورقة واحدة، وأصرّ كثيرون أن المطبوعة يجب أن تكون باللونين الأبيض والأسود. 

واجهنا العديد من القيود التافهة المفروضة على المطبوعة، مما اضطرنا إلى كسر كل القواعد التي وضعتها مؤسسات الطباعة مرة تلو الأخرى. فعند البدء في تنفيذ الكولاج، كان من المفترض الطباعة على ورقتين أو ثلاث، والتوقيع في أي مكان من المطبوعة بحيث يكون التوقيع مخفياً ورقم النسخة مخفياً وكل ما شابه ذلك من التفاصيل الصغيرة.

 

وبهذه الطريقة نفّذت كتاب التلوين، وقد اعتُبر استثنائياً بحق، ليس للمعلومات التي يحتويها فحسب، بل جراء ما يتيحه من تجربة مرحة تتضمن سؤالاً للمتصفح في كل صفحة. 

توجب على القارئ التعامل مع تلك المعلومة الجديدة بالطريقة التي يراها مناسبة، هل فهمها؟ هل ساهمت في إضافة معلومة جديدة عن دولة الفصل العنصري، أم أنها زادت معرفته حول لاإنسانية الدولة تجاه السود في جنوب إفريقيا؟ 

 

حور القاسمي: شكراً لك غافن. أودّ أن تحدّثنا عن هذا العمل، ليس من ناحية عملية الإنتاج فحسب، بل من باب معاناتك المستمرة من ندبات الظلم العنصري، والأسس التي دفعتك إلى تنفيذه، وأودّ من صلاح أيضاً مشاركتنا الحديث عن هذه النقطة. 

قلتَ سابقاً أن فن غافن يجسد السعي نحو التحرر والانعتاق من قيود النزعة الأوروبية تجاه إبداع السود، مما يعود بنا إلى العنوان "أن تكون حراً". 

هل يمكنك الاستفاضة في الحديث عن الإطار العام لهذا المعرض؟ 

 

صلاح حسن: أشكرك حور. إن ما دفعني كمؤرخ فني للعمل قيّماً هو تناول ما رأيته كخبير في الثقافات الإفريقية ضمن أقسام التاريخ الفني الغربية، في الوقت الذي لطالما كان مجال دراستي على الهامش. 

لذلك أحسست أن ما ينقصنا بحق وقبل كل شيء المادة الأساسية اللازمة لخلق خطاب تاريخي فني حقيقي، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا من خلال المعارض. لذا شعرتُ، انطلاقاً من الطريقة التي اتبعتها في مسيرتي المهنية في مجال التقييم الفني، بضرورة التركيز على المدارس والفنانين والحركات الفنية، نظراً لأهميتها البالغة. 

 

يتناغم غافن يانتس مع مواصفات الفنانين الذين شعرتُ بأهمية التركيز عليهم، لأن فنهم يناسب القصص من هذا النوع، من حيث تحلّي أعمالهم بالعمق من ناحية، وخروجهم عن جميع التوقعات المنتظرة من أي فنان إفريقي أو أي فنان غير غربي من ناحية أخرى. 

يعمد هؤلاء الفنانون إلى تنفيذ أعمالهم، إلا أنهم يمتلكون جميع الوسائل والمعرفة النظرية لإنتاج الخطاب المناسب حول العمل. أما بالنسبة للعنوان نفسه، شعرتُ أن مسيرة غافن تجسد جوانب عديدة لناشط، وفنان، ومؤرخ فني، وكاتب، وقيّم، تتفاعل جميعها ضمن مخيلة حوارية، وتعمل بصورة مترابطة تجعلها بمثابة رواية تحمل عدة أجناس. 

 

قد تكون شعراً أو أحجيات أو أمثالاً أو جميعها معاً. لذلك استوحيتُ العنوان من واقع تفكيري في العديد من الفنانين الأفارقة، لا سيما المعاصرين والحديثين منهم، الذين يعملون في أحضان عالمٍ همّشهم، وهو ما يطرح تحديين أمامهم.

أحدهما هو عبء التمثيل، انطلاقاً من النظرة الواسعة التي تتوقع منهم إنتاج الأعمال بطريقة محددة، على غرار توقع مخاطبتهم لثقافة محددة، وهو من الجوانب التي شعرتُ أن غافن يتصدى لها. 

 

يتوازى التحدي الثاني مع عبء التمثيل، ويتمثل في فكرة الحرية، لو نظرنا إلى حياة غافن في بداية مسيرته الفنية، لوجدنا أنه كان ناشطاً إلى جانب كونه فناناً. 

اختار الطباعة، وفكرة الإنتاج الميكانيكي بعبارة أخرى، وبحسب ما قاله فالتر بنجامين، فإن هذا الإنتاج أتاح له العمل بالطباعة، وسمح له الوسيط الفني بتنفيذ العمل باستخدام أساليب عديدة، وفسح له المجال للوصول إلى جمهور أوسع. 

 

لقد كان ذلك مرضياً له، فهو في الواقع سعيٌ للحرية في سياق الفصل العنصري. كيف تُوصل الرسالة بحق؟ ثم انتقل إلى الرسم بطبيعة الحال، فقد كان تصويرياً وكان ذلك جزءاً من تفكيره آنذاك، بهدف معالجة قضايا تتعلق بتاريخه، ولكنها تخاطب الإنسانية جمعاء، "خرائط السماء".

وهي سلسلة ظهرت في الجزء الأول من المعرض نفسه، تضمنت حوارية، وقناعاً ومعطفاً كما رأيتم. وبعيداً عن لوحة "آنسات أفينون" لبيكاسو، ما شدّ انتباهي هنا هو الحوار بين الحداثة الغربية والفن الإفريقي، والذي يمكن قراءته كنقد من جهة، وصلة وصل من جهة أخرى. 

 

لذلك بالنسبة لي، يتمثل الاختلاف في الدخول في حوار مع الحداثة، ثم تأتي بعدئذٍ فترة بعد فترات عديدة، وعدة تدخلات كقيّم وأستاذ في تشلسي أو في إنجلترا، وشخص كان بالفعل محكّماً وفاعلاً ضمن الساحة الثقافية، ومسؤولاً عن العديد من المبادرات. ولعل أبرزها المعهد الدولي للفنون البصرية "‘إينوفا" في إنجلترا، والذي ساهم في تغيير معالم الفن وتاريخ الفن. 

هذا مجالٌ يسعى فيه الفنان إلى الحرية. أما المجال الأخير، فهو انتقاله من التصويري إلى اللاتصويري، حيث استكشف بعمق فكرة أن الفنان، أو الفنان الإفريقي تحديداً، ليس مضطراً للامتثال لأمورٍ معينة.

 

لذلك جاء العنوان "أن تكون حراً" من أغنية معروفة للمغنية نينا سيمون التي سُئلت في إحدى المقابلات عما تعنيه الحرية بالنسبة لها، فأجابت بعد انتظار أنها تعني غياب الخوف. ومن هذا المنطلق، شعرتُ أن العنوان يمثل تجسيداً لمسيرة غافن يانتس الفنية. 

ظننتُ أن الروابط بين سياق تاريخ الفن ومسيرة غافن يانتس الفنية وما له من باعٍ طويل في هذا النوع من المخيلة الحوارية، حيث تعمل جميع هذه العناصر وصولاً إلى العنوان المثالي. 

[استراحة]

 

حور القاسمي: مرحباً بكم مرة أخرى في بودكاست "نتحدث فناً"، البودكاست الرسمي لمؤسسة الشارقة للفنون. نستضيف اليوم غافن يانتس وصلاح حسن. لنتابع رحلتنا مع غافن. انتقلت عام 1982 من ألمانيا إلى إنجلترا ومن الطباعة إلى الرسم. 

إلا أن ثيمة الصدمة التاريخية استمرت في سلسلة "كورابرا" على سبيل المثال والتي رسمتها في منتصف الثمانينيات، حيث استكشفت المعاناة التي ترتبت على تجارة العبيد عبر الأطلسي. هل يمكنك الحديث عن الأسباب التي دفعتك لإنتاج هذه السلسلة؟

 

غافن يانتس: عندما انتقلت من ألمانيا، أو بالأحرى ألمانيا الغربية آنذاك إلى إنجلترا، كنت قد بدأت الرسم بالفعل في هامبورغ وأقمت معرضي الأول في لندن، أعتقد أن ذلك كان عام 1980. ونظراً لأن أحد أصحاب الغاليريهات في لندن وأراد مني الانتقال للسكن بالقرب منه في المملكة المتحدة، انتقلتُ من ألمانيا وأقمتُ في ويلتشير في الريف، بالقرب من مكان سكني الحالي. 

لقد كنتُ منشغلاً في ذلك الوقت بتاريخ تجارة العبيد، لأنه أثناء وجودي في هامبورغ، التقيت بوالتر رودني، الذي ألّف كتاب "أوروبا والتخلّف في إفريقيا"، وهو كتاب موجز ولكنه مهم جداً حول تقييم تجارة العبيد الأوروبية وتأثيرها على إفريقيا، وأعتقد أيضاً على الأميركتين.

 

وتسنى لي الحديث معه على مدار أيام حول كتابه، والأبحاث التي أجراها، فتعمقت هذه الثيمة لدي وأردتُ فعل شيء ما حيالها، لكنني لم أعرف من أين أبدأ. 

وخلال إقامتي في ويست كاونتي في ويلتشاير، ذهبتُ إلى غاليري أرنولفيني في بريستول، وشاهدت في ميناء بريستول تمثالاً لتاجر رقيق مشهور كرّمته المدينة، ولكن لم تكن ثمة لوحة واحدة تشير إلى أن بريستول كانت ميناءً رئيساً لتجارة العبيد في أوروبا. 

 

وينطبق هذا التجاهل على لندن وليفربول، حيث لم تكن أي من هذه المدن الساحلية، التي كانت جميعها موانئ للعبيد، تعترف بدور المملكة المتحدة في تجارة الرقيق. ثم دُعيتُ لإقامة فنية في كوفنتري، فقررت أن أتناول قضية تجارة الرقيق خلال الإقامة. 

لذلك ذهبت إلى كوفنتري، واصطحبتُ معي سبع أو ثماني لوحات، لوحات كبيرة، وبدأت برسم هذه السلسلة التي سميتها سلسلة "كورابرا". وأردتُ من خلال إنتاج هذا العمل، أن أبتعد عن النص السياسي المباشر والمبالغ فيه، الذي كان يحيط بتجارة العبيد.

 

أردت الابتعاد عن نشر حقيقة نقل 300 مليون شخص عبر المحيط الأطلسي على مدى قرون، وأن أحاول فعلياً خلق صورة أو سلسلة من الصور يمكن أن تعطي إحساساً بذلك.

لذا كان عليّ أن أجد شكلاً من أشكال الصور الشعرية لتحقيق هذا، لأنني لم أكن أريد أن تتضمن الأعمال قائمة بعدد الأشخاص أو أي شيء من هذا القبيل. أردتُ أن تحمل الأعمال كمجموعة من سبع أو ثماني لوحات رسالةً حول معنى العبودية في حد ذاتها ضمن سياقها الإنساني.

 

وبالتالي، ليس فقط استعباد الأفارقة في أوروبا، بل كل أشكال العبودية في ذلك الوقت. كانت هناك أيضاً منظمة لمكافحة الرق تعمل في المملكة المتحدة، وما تزال موجودة حتى يومنا هذا. لذلك تناولت هذه السلسلة من اللوحات وعملت عليها لمدة أربعة أشهر في كوفنتري. ثم ذهبت لرؤية الشاعر لينتون كويسي جونسون في جنوب لندن، وأريته صور اللوحات وقلت له: "لينتون، هل يمكنك أن تكتب لي قصيدة يمكنني نشرها في الكتيب؟"

 

فقال لي إنه لا يستطيع، وعندما سألتُه عن السبب أجاب بأن القصيدة موجودة بالفعل، وقد كتبها إدوارد كاماو براثويت في ثلاثيته الشعرية "الوافدون"، وطلب مني الحصول على الديوان وقراءته. فذهبت إلى مكتبة مطبوعات جامعة أكسفورد في شارع أكسفورد واشتريته وجلست في القطار عائداً إلى ويلتشاير أقرأه. كان الأمر وكأن نوراً أضاء في رأسي، لأن القصائد في هذا الكتاب وصور لوحاتي بدت وكأنها تتوافق في كل صفحة أقلبها.

 

فتواصلت مع براثويت في جامايكا وطلبت إذنه باستخدام مقتطفات على الأقل من قصائده. لم نستطع ببساطة أن نعيد نشر ديوانه الشعري بالكامل في هذا الكتيب، لذلك استخدمنا مقتطفات وحصلنا على إذنه للقيام بذلك.

وهكذا تجمّعت هذه الأعمال. ولأنني أنتجتها خلال إقامة فنية في منطقة ويست ميدلاندز، عُرضت الأعمال على المعارض في ويست ميدلاندز حيث يمكنهم الحصول عليها كإعارة طويلة الأجل أو إذا أرادوا الشراء، فيمكنهم ذلك.

 

وهناك توجد معظم اللوحات، وبالتحديد سبع لوحات منها وجميعها من معارض في منطقة ويست ميدلاندز، وتُعرض بين الحين والآخر فيها وأصبحت أداة تعليمية لتاريخ تجارة الرقيق وتأثيرها على الناس الذين يأتون أساساً في ويست ميدلاندز من جامايكا.

وخلال فترة إنتاج هذا العمل، عملت أيضاً مع مجموعة من الفنانين لإقامة معرض في باريس تحت عنوان "الفن ضد الفصل العنصري"، حيث أسس 12 فناناً منظمة، كان الفنان أنتوني تابيس أحدهم. 

 

وعندما سنحت لي الفرصة، سألت أنتوني عن طريقته في تصنيع الطلاء بسبب تفرّد الطلاء الذي يستخدمه عن كل شيء رأيته في حياتي. فأجابني بأن الأمر بسيط، فما هو إلا غراء أكريليك مع صبغة. 

لذلك إن كنت تريد صنع طلاء رخيص، فهذه هي الطريقة للقيام بذلك. يتطلب الأمر الكثير من العمل، حيث عليك صناعته بنفسك تماماً. عليك أن تطحن الصبغة في الغراء، لكن تكلفته تقارب صناعة الأكريليك التجاري. لذلك صنعت طلائي الخاص، وأخذت معي هذه الدلاء الضخمة من الطلاء إلى كوفنتري واستخدمتها في إنتاج هذه السلسلة. 

 

حور القاسمي: أنا مهتمة بمعرفة أشكال التضامن التي تمكنت من بنائها بعيداً عن الوطن، مثل هذا التضامن مع أنتوني تابيس. وأشير هنا إلى عمل بارز آخر من أعمالك في الثمانينيات، وهو عبارة عن جدارية تُسمى "الحلم، والشائعة، وأغنية الشاعر"، والتي رسمتها عام 1985 على جدار عام في حي بريكستون بلندن مع الفنان تام جوزيف.

العمل نفسه لم يعد موجوداً، لكن من بين الصور الأرشيفية التي نراها في المعرض، هناك صورة لك واقفاً أمامه مع مجموعة من الناس. هل يمكنك أن تخبرنا عن أشكال التضامن المختلفة وعمّا كانت الجدارية تدور حوله؟

 

غافن يانتس: نعم، كما قلت، جئتُ للعيش في المملكة المتحدة بعد ما يُسمى بأعمال شغب بريكستون التي حدثت خلال حكم مارغريت تاتشر. أراد مجلس لندن وقيادة حزب العمال تأسيس علاقة أفضل مع الجاليات الكاريبية أو ما يُسمى بمجتمعات المهاجرين في المدن الداخلية لإنجلترا.

لذلك كلّف مجلس لندن بإنشاء سلسلة من الجداريات في مجتمعات مختلفة من أحياء لندن حيث كانت هناك مجتمعات غير أوروبية واسعة تعيش هناك، وكان معظمهم مواطنون بريطانيون.

 

طُلب مني أن أقدم مقترحاً لبريكستون، فتجولت في المجتمعات وزرتُ المكتبات والحانات والمراكز الرياضية، ومن ذلك خرجت جدارية، على شكل عمل ضخم، يبلغ طوله حوالي 27 أو 28 متراً وارتفاعه حوالي 5 أمتار على جدار ما كان يُسمى ساحة هوكستون، التي لم تعد موجودة الآن بعد استخدامها لإنشاء سلسلة من المباني العامة.

لكنني قدمت العمل إلى مجلس لندن، فطلبوا مني أن أرسم هذه الجدارية في بريكستون، وفعلت ذلك خلال صيف واحد مع صديقي العزيز تام جوزيف، وعملنا نحن الاثنان طوال الصيف لإنجازها. 

 

كانت تجربة استثنائية، لأن الناس كانوا يأتون كل يوم، يجلسون على المقاعد المقابلة للجدار ويراقبوننا أثناء عملنا، وكانوا يعلّقون على ذلك. وبالطبع، عندما تعمل بهذا القرب، فأنت حرفياً على بعد قدمين أو قدم واحدة من الجدار.

يصبح الجدار مرآة للصوت إن صح التعبير، لذلك كنا قادرين على سماع أي شخص يتحدث، كما لو كنا جالسين بجانبه مباشرة. كان الناس يناقشون ما كانوا ينظرون إليه، وكان هذا نوعاً مثيراً للاهتمام من الإلهام لكلينا، أن نستمع إلى هؤلاء السيدات المسنات يتحدثن عن رؤية أنفسهن مُصوَّرات في سردية هذه الجدارية، لأنها كانت تُقرأ كالكتاب من اليسار إلى اليمين.

 

كانت الجدارية تتناول بصورة أساسية ما يُسمى "جيل ويندرش" الذي يُحتفى به حالياً، لا سيما وصولهم، ومساهمتهم، ثم التمييز العنصري الذي عانوا منه، ثم انتفاضتهم ضد ذلك، وتنتهي بصديقي، لينتون كويسي جونسون، الشاعر، وهو يقرأ لمجموعة من الشباب على أقصى يمين هذا السرد التصويري.

كان ذلك ممتعاً. قضينا صيفاً بأكمله، أعتقد أنه كان لشهرين، أو ربما ثلاثة أشهر نرسم كل يوم. كان في الأمر متعة كبيرة. وعندما اكتملت، دعونا جميع المجتمعات التي تحدثنا إليها على مدار العام لحضور الافتتاح، وكان لدينا فرقة كرنفال تعزف في الساحة، وكان هناك مهرجان طوال عطلة نهاية الأسبوع، مع وجود الطعام والموسيقى، والناس يأتون فقط للنظر إلى الجدارية، بما في ذلك شرطة بريكستون.

 

حور القاسمي: شكراً لك على ذلك يا غافن. من المهم التفكير في البصمة التي يتركها الفن العام على ذاكرتنا الجماعية حتى بعد فقدانه المادي. صلاح، هذا معرض واسع النطاق يجمع أكثر من مئة عمل ومواد أرشيفية من مناطق جغرافية مختلفة على مدى الخمسين عاماً الماضية.

لا يمكننا بالطبع استعراض كل ذلك في البودكاست، لكنني أريد أن أسألك عن تأثير هذا العمل، لا سيما كتابات غافن وأعماله التقييمية، على كيفية رؤية الفن من إفريقيا والشتات الإفريقي والحديث عنه. 

 

صلاح حسن: ثمة طرق عديدة للحديث عن إطار المعرض، وهو أمر مهم جداً قبل أن نتناول أي موضوع آخر. لنبدأ بالأعمال المبكرة، توجد قاعة واحدة مخصصة للأعمال التصويرية والقديمة، أي من السبعينيات والثمانينيات، والتي تتضمن السلاسل الرئيسة التي تشمل سلسلة "كورابرا"، وسلسلة "زولو"، وسلسلة "خريطة السماء"، من جملة أعمال أخرى، فضلاً عن الأعمال التصويرية التي نفذها غافن في السبعينيات وأوائل الثمانينيات.

أما في القاعة الثانية، فتوجد أعمال مبكرة في معظمها مطبوعات شاشة، تعكس نشاط غافن، وقضايا الوحدة الإفريقية، ونضال الأميركيين الأفارقة من أجل الحرية والحقوق المدنية، ثم التركيز على الجانب الجنوب إفريقي، وهو كتاب التلوين الذي تحدثنا عنه سابقاً.

 

حاولنا أيضاً تضمين بعض المواد الأرشيفية، مع إعادة تكوين الجدارية نفسها واستخدام بعض الصور الأرشيفية، خاصة الفوتوغرافية التي وصفها غافن للتو. تتناول الأعمال في القاعة الأخيرة تحوّل غافن إلى الرسم غير التصويري، والذي تمثله سلاسل متعددة، بما في ذلك سلسلة "ويتني"، ثم تنتهي بسلسلة "الشارقة"، التي نفذها خلال إقامة فنية في العام الماضي، في أوائل فبراير ومارس.

يأتي تأثير هذا المعرض من منظورين هما الجانب الفني لغافن، ورحلته من التصويري إلى الفن النشط، ثم إلى ما تسميه أن تكون حراً، مما يسمح للجمهور بالتحدث إليه مباشرة.

 

هؤلاء هم جيل الفنانين الذين تمكنوا فعلياً من إنتاج فنون لا تعترف بالتوقعات، بل تحاول إزالة الغموض وتفكيك تلك التوقعات، والمضي قدماً لخلق مكانتها الخاصة.

عمل قيّماً أيضاً، لذا كان هناك الكثير من الروابط المختلفة في خياراته التقييمية، والتي ساهمت في دعم فكرته حول عدم الاكتفاء بالفن الإفريقي، حيث قيّم أعمال فنانين من آخر ين لكنه ركز في الغالب على الفنانين غير البيض. 

 

يمثل هذا في حد ذاته مساهمة في تغيير صورة الفنان أو القيّم الإفريقي، حيث كان من المفترض لهم العمل ضمن إطار معين، والامتناع عن استكشاف أشياء أخرى، بمعنى تجاوز ما هو متوقع إثنياً من الفنان أو العرق أو الطبقة الاجتماعية. من المهم أيضاً أن يعلمنا هذا أن هؤلاء الفنانين أيضاً عالميون، وأمميون، وقد وُجدوا في الفضاء نفسه. 

حتى لو لم يسافروا فعلياً، فالبعض منهم بقي داخل القارة، إلا أنهم سافروا بأفكارهم، وبقراءاتهم، وصورهم، وكتاباتهم. لذلك يعد غافن مثالاً عن الفنانين الذين استطاعوا الخروج، وتمكنوا من احتلال مكانتهم ضمن الحداثة العالمية.

 

ثم الأفكار الأخيرة التي ناضلت من أجلها لفترة طويلة، من حيث طريقة التعامل مع الفن الإفريقي، لا سيما المعاصر والحدي. فكمؤرخ فني، شعرت أن هذا مثال لفنان عالمي.

بالنسبة لي، غافن هو تجسيد لهذا النوع من الفنانين الذين جعلوا من الممكن التفكير في الفن الإفريقي على أنه موجود في نفس الفضاء، مختلف، لكن على الدرجة نفسها من الأهمية، ويدخل في حوارية مع الفنون الأخرى، ولكن بطابعه الخاص.

 

لذلك فإن هذا يسمح لنا فعلياً بالتفكير في الحداثة أو المعاصرَة ككل، كفكرة مترابطة وحوارية يمكن للجميع المساهمة فيها، على غرار ما قاله ستيوارت هول حول التفكير في الحداثة.

قال عند التفكير عميقاً، حتى في ظل عدم المساواة المنتشرة في العالم، لم يعد هناك ما يُسمى الهامش والمركز أو مدن مسيطرة وأخرى مستَعمرة، لأن الفن الأقوى بالنسبة إليه هو الفن الذي ينتجه فنانون داخل المركز وخارجه، وليس أولئك الذين يعيشون في المركز نفسه، لذلك يعد فن غافن يانتس تجسيداً حياً لذلك. 

 

حور القاسمي: شكراً لك صلاح على وضع مسيرة غافن الطويلة ومتعددة الأبعاد في سياقها. 

من المهم لنا فهم الممارسات الفنية وتحولاتها في ظل التغيرات التي يشهدها العالم. وبهذه المناسبة، غافن، نريد أن نسألك عن التحول الذي قمت به من التصوير والسرد نحو التجريد، في وقت عدت فيه إلى مرسمك بعد عقدين تقريباً.

ما الذي ألهم هذا التحول وكيف كانت تجربتك في صنع بعض هذه اللوحات كبيرة الحجم هنا في الشارقة؟

 

غافن يانتس: هذا سؤال يُطرح عليّ أكثر من أي سؤال آخر. كانت الإقامة الفنية في الشارقة فرصة فريدة بالنسبة لي، لأنها منحتني فرصة للإنتاج والعمل على نطاق لم أعمل عليه من قبل.

نفذّت في المرسم جدارية بريكستون، التي كانت عملاً كبيراً جداً، لكنني صنعتُ لوحة غير تصويرية يزيد طولها عن ستة أمتار، أو بالأحرى لوحتان كبيرتان، خلال فترة إقامتي الفنية.

 

كانت أيضاً فرصة رائعة للتعرف على الشارقة، والتعرف على الناس والمدينة، واكتشاف الكثير مما تقدمه في الأيام القليلة التي كنتُ أخصصها كإجازة أتجول فيها وأكتشف أشياء رائعة، لذا كانت تجربة جيدة حقاً.

هناك في الواقع ثلاثة أسباب للتحول إلى الأعمال غير التصويرية. الأول هو أنني أردتُ الذهاب إلى معرض فني والنظر من جديد، لأنني لم أرد أن أقرأ في المعرض.

 

كان ذلك هو السبب الأول. أما السبب الثاني، فلأنني أردتُ تحرير ممارستي من الافتراضات والتوقعات التي كانت القراءة الغربية، المتمركزة حول أوروبا، تضعها على أعمال الفنانين القادمين مما يُسمى بالعالم الثالث، وحتى القراءة المتمركزة حول إفريقيا أيضاً. 

ومن خلال السببين الأول والثاني الذين ذكرتهما للتو، اعتقدتُ أنني قادر على تقديم تأويل وعرض أكثر جماهيرية للرسم المعاصر. إذاً الأمر يتعلق بخلق خطاب حول وسيط الرسم. وقد كتبت بالفعل بعض الملاحظات. أنا أقرأ بعض الملاحظات التي كتبتها، حيث أرى أن حرية التعبير وحرية الاختيار تقع في قلب كل صناعة فنية، بغض النظر عن نوع الفن الذي تعمل فيه.

 

كما قلت في البداية، كان هذا ما علمني إياه المجتمع الذي نشأتُ فيه، من حيث استخدامه كأداة للخروج من المشاكل السياسية وحلها. ومع ذلك، هناك خطاب يحيط بالعمل، وهناك نوع معين من التمييز، وهذا يحدّ من تجربة العمل كما نعلم، ويحدّ من إنجازه. وبذلك، فإنه يحبس الفنانين والمشاهدين على السواء في أنماط معينة من الإبداع والتفكير.

 

من الطبيعي أن نتساءل عن تركيز الخطاب الذي يتناول الفنون القادمة مما يسمى العالم غير الغربي على العِرق والطبقة الاجتماعية والهويات الجنسية والثقافية والتاريخ السياسي. لذلك أردتُ التحرر، أو بالأحرى أردتُ أن أحرر عملي من التمييز، سواء فرضته التشريعات العنصرية مثل نظام الفصل العنصري، أو الخطابات ما بعد الحداثية في تاريخ الفن الحديث. 

 

لم أعد أريد توجيه المشاهد، أو أن أفرض عليه قراءة لوحاتي أو تأويلها أو فهمها بطريقة محددة، فهم أحرار في فعل ما يحلو لهم، وآمل أن يفعلوا ذلك بعقل منفتح. وهذا بالضبط الخطاب الذي أودّ غرسه عن طريق التحول إلى اللاتصويري. يتوجب علينا البدء بالحديث عن الفن وجودته، بدلاً من الحديث عن مزايا صانعه. 

 

حور القاسمي: أشكركما كثيراً على الانضمام إلينا في بودكاست "نتحدث فناً" والحديث عن حياتكما وعملكما، وأشكركما أيضاً على الأفكار التي استكشفتموها والأهمية التي حملتها بالنسبة لكما على مر السنين. 

معرض غافن يانتس الاستعادي "أن تكون حراً" من تقييم صلاح حسن مستمر لغاية 10 مارس 2024 في ساحة المريجة، ونتطلع إلى رؤيتكم هناك. 

 

صلاح حسن: شكراً لكم

غافن يانتس: شكراً لكم، وأتطلع إلى رؤية الجميع أيضاً.