يوسف عيدابي يروي فصولاً من رحلة الثقافة بين السودان والشارقة

تم النشر في 19 August 2026

استضافت مؤسسة الشارقة للفنون الدكتور يوسف عيدابي، المستشار الثقافي في دارة الدكتور سلطان القاسمي للدراسات الخليجية، في الجلسة الثانية من برنامج «حواريّات»، التي أقيمت بعنوان «من ناصية الشعر إلى واحة الثقافة»، وأدارها الفنان إسماعيل الرفاعي، مدير قسم الترجمة والمحتوى العربي في المؤسسة.


واستعادت الجلسة محطات من مسيرة الدكتور عيدابي الممتدة بين الشعر والمسرح والصحافة والعمل الثقافي، منذ بداياته في السودان وصولاً إلى إسهاماته في تأسيس المشهد الثقافي في الشارقة، إلى جانب شهادات من عدد من المسرحيين والكتّاب والفنانين الذين عاصروا تجربته.


استهل عيدابي حديثه بالعودة إلى مدينة رفاعة، مسقط رأسه، وما ارتبط بها من تاريخ في التعليم والمسرح، ثم توقف عند مدينة عطبرة، التي تشكّل فيها وعيه المبكر وسط مناخ عمالي ووطني مقاوم للاستعمار، موضحاً أن الكتابة بدأت معه في المرحلة الثانوية، قبل أن ينتقل إلى جامعة الخرطوم، حيث التقى شعراء من بينهم محمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر ومحمد عبد الحي، وتقاسم معهم أسئلة الهوية والخصوصية الثقافية السودانية.


ومن هذا المناخ نشأ تيار «الغابة والصحراء»، الذي سعى إلى مقاربة التداخل بين المكونين العربي والإفريقي في الهوية السودانية، وهي المسألة التي شغلت الدكتور عيدابي خلال دراسته المسرح والسينما في بوخارست، حيث دفعته التجربة إلى التفكير في علاقة الفنان ببيئته، وفي ضرورة إنتاج أعمال قادرة على مواجهة الخطابات الاستعمارية بدلاً من إعادة إنتاجها.


وعقب عودته إلى السودان، طوّر مشروع «مسرح لعموم أهل السودان»، الذي انطلق من تعدد القوميات واللغات والثقافات في البلاد، ودعا إلى مسرح يجد فيه هذا التنوع تمثيله ضمن مفهوم جامع للمواطنة، محاولاً صياغة لغة مسرحية نابعة من الواقع السوداني.


انتقل عيدابي إلى الحديث عن بدايات علاقته بالشارقة، موضحاً أن مشاركته في أسبوع ثقافي بالمدينة قادته إلى لقاء الراحل تريم عمران تريم، الذي دعاه إلى العمل في الملحق الثقافي لجريدة «الخليج» إلى جانب محمد الماغوط وجمعة اللامي وعيسى بشارة ومحمود محمد مدني وآخرين، ضمن تجربة سعت إلى تأسيس خطاب ثقافي جديد، وإتاحة مساحة للكتّاب الشباب ومراجعة نصوصهم بصرامة ومهنية.


وأكد أن الملحق لم يكتفِ بتغطية النشاط الثقافي، بل أسهم في ترسيخ ثقافة وطنية تقوم على الحوار والسجال ووضوح الموقف، وفتح صفحاته لأصوات شابة أصبحت لاحقاً من الأسماء البارزة في الثقافة الإماراتية والخليجية. كما لفت إلى أن الصحافة الثقافية في تلك المرحلة كانت جزءاً من حراك أوسع شاركت فيه الصحف والمؤسسات وجمعيات النفع العام واتحاد كتّاب وأدباء الإمارات.


كما تناول عيدابي اتساع المشروع الثقافي في الشارقة منذ الثمانينيات، وخصوصاً دور معرض الشارقة للكتاب، وجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وأيام الشارقة المسرحية، ومسرح الشارقة الوطني، في بناء فضاء يلتقي فيه المواطنون والمقيمون والمبدعون من اتجاهات متعددة. كما رأى أن تطور بينالي الشارقة، ولا سيما مع تولي سمو الشيخة حور القاسمي إدارته، أتاح له تجاوز منطق التمثيل الرسمي والانفتاح على برمجة أكثر استقلالاً وتجديداً، وعلى آفاق واسعة شملت بلاداً وثقافات عديدة.


مشيراً إلى أن مشروع الشارقة الثقافي، هو مشروع تشارك في صناعته القيادة والمؤسسات والمدارس والصحف والجمعيات والكتّاب والفنانون، وليس مشروعاً فوقياً منفصلاً عن المجتمع، بل هو مشروع يستمد أهميته من رؤية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، التي تحتفي بالإنسان والثقافة أينما كان، وتدعم منجزات الإبداع، وتضع خططاً استراتيجية تكفل استمرار التجربة الثقافية للشارقة، وتجعل المجتمع ومثقفيه جزءاً لا يتجزأ منها.


وفي سياق جهوده في النشر والتوثيق، تحدث عيدابي عن إنتاجه خمسة وثلاثين كتاباً توثق تاريخ المسرح السوداني، وتضم دراسات ورسائل أكاديمية وشهادات لممارسين مسرحيين. كما أشار إلى إصدار كتاب يرصد النشاط المسرحي السوداني في بلدان النزوح والشتات، مؤكداً أن الإبداع يظل ضرورة حتى في ظروف الحرب والتشرد.


شهدت الجلسة مداخلات استعاد فيها عدد من المسرحيين والفنانين أثر عيدابي في تكوين أجيال متعاقبة، ليس بوصفه ناقداً ومثقفاً فحسب، بل معلماً ومتابعاً للتجارب منذ مراحلها الأولى. وعلى سبيل المثال لا الحصر، تحدث المخرج محمد العامري عن حضور عيدابي المستمر إلى جانب المسرحيين، ومتابعته البروفات والعروض، وحرصه على توفير الكتب والمراجع لهم، مستذكراً كيف قصده بحثاً عن كتاب واحد، فعاد من عنده بمكتبة كاملة. كما وصفه بملاذ لطلابه، يختصر أمامهم المسافات المعرفية، ويتابع تطورهم خطوة بخطوة، فيما عبّر آخرون عن امتداد أثره إلى الأدباء والتشكيليين أيضاً، وعن دوره في رعاية المواهب ومنحها الثقة والمساحة اللازمة للنمو.
 

حول مؤسسة الشارقة للفنون

تستقطب مؤسسة الشارقة للفنون طيفاً واسعاً من الفنون المعاصرة والبرامج الثقافية، لتفعيل الحراك الفني في المجتمع المحلي في الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، والمنطقة. وتسعى إلى تحفيز الطاقات الإبداعية، وإنتاج الفنون البصرية المغايرة والمأخوذة بهاجس البحث والتجريب والتفرد، وفتح أبواب الحوار مع كافة الهويّات الثقافية والحضارية، وبما يعكس ثراء البيئة المحلية وتعدديتها الثقافية. وتضم مؤسسة الشارقة للفنون مجموعة من المبادرات والبرامج الأساسية مثل «بينالي الشارقة» و«لقاء مارس»، وبرنامج «الفنان المقيم»، و«البرنامج التعليمي»، و«برنامج الإنتاج» والمعارض والبحوث والإصدارات، بالإضافة إلى  مجموعة من المقتنيات المتنامية. كما تركّز البرامج العامة والتعليمية للمؤسسة على ترسيخ الدّور الأساسي الذي تلعبه الفنون في حياة المجتمع، وذلك من خلال تعزيز التعليم العام والنهج التفاعلي للفن.

يوسف عيدابي وإسماعيل الرفاعي خلال الجلسة. تصوير: معتز موعد

SAF Radio OFF