ما يخرج من بطن الصرصور ليس شيئاً يمكن تجاوزه - آه، لا أريد أن أقول إنه نقيض الجمال، فعبارة "نقيض الجمال" نفسها لا معنى لها - ما يخرج من الصرصور هو: "اليوم".
– كلاريس ليسبكتور، الآلام وفقاً لـ ج.هـ.، 1964
تنبثق لوحة ليدا كاتوندا النحتية "البطن" (1993) من حقبة اتسمت بالاضطرابات السياسية والاجتماعية، لتقوّض الاستواء التقليدي للوسيط. يجمع العمل بين الصورة والبعد المادي، ليولّد شكلاً طرياً منتفخاً يستحضر حميمية الجسد المحسوس، حيث يبرز هذا الانتفاخ في مواجهة العمليات الداخلية الخفية للهضم. من خلال شدّ القماش وحشوه، تمنح كاتوندا عملها "بطناً" ثلاثي الأبعاد يتدلّى إلى الأمام خارج الجدار. ليس هذا تصويراً لبطنٍ فحسب؛ بل حضورٌ جسديّ صريح لا يتنصّل من ثقله وواقعيته، كأنه يعلن:
«أنا هنا... أنا ثقيل... أنا مترهّل... أنا حقيقي".
بدأت ستينيات القرن العشرين في البرازيل برئاسة جواو غولارت، آخر زعيمٍ يساري للبلاد قبل الانقلاب العسكري. في تلك المرحلة، كان المشهد الفني منخرطاً بعمق في صياغة ما وُصف بـ"فنٍّ ثوري ذي نزعة شعبية"، تعبيراً عن تطلعاتٍ أوسع نحو الإصلاح الاجتماعي وإتاحة الثقافة للجميع. في 31 مارس عام 1964، أُطيح بغولارت، لتنزلق البلاد إلى عقدين من الحكم التسلطي.[i] وفي ظل القمع السياسي والرقابة الصارمة - وكان جزء كبير منها رقابة ذاتية، نابعة من حذرٍ فرضته معايير حكومية غامضة ومتقلّبة -وجد الفنانون البرازيليون أنفسهم مضطرين إلى إعادة ابتكار لغة الفن ووظيفته.
انصرف كثيرون عن الأشكال التقليدية كالرسم والنحت، واتجهوا بدلاً من ذلك إلى أساليب تجريبية زائلة، عابرة، قادرة على التسرّب عبر فجوات الرقابة. وأحياناً، اتخذ هذا المسار شكلاً أكثر راديكالية، حين أدخل الفنانون أجسادهم كمادة حيّة في العمل، إلى جانب استخدام مواد استهلاكية سريعة الزوال.
مع مطلع الثمانينيات، انتهى الحكم العسكري، فعاد إلى المشهد الفني البرازيلي شيء من الحيوية المتجددة. لم يعد الفنانون مقيّدين بضرورة الزوال المؤقت، فعادوا إلى الرسم والنحت، لكن بنظرةٍ تتجه نحو لغات بصرية أوسع، لا إلى دعاية سياسية مباشرة.[ii] وفي عام 1984، جاء المعرض الاستعادي الشامل "كيف حالك، يا جيل الثمانينيات؟"، من تقييم ماركوس لونترا، وباولو روبرتو ليال، وساندرا ماجي، ليعلن ولادة جيلٍ جديد من الفنانين البرازيليين. كان المعرض بمثابة إشارة واضحة إلى رغبةٍ في العودة إلى الرسم.[iii]
برزت ليدا كاتوندا، الفنانة الشابة القادمة من ساو باولو، كإحدى الشخصيات المحورية في "جيل الثمانينيات"، وفي لحظة عودة الرسم كونه وسيطاً فنياً مركزياً. شكّلت الثمانينيات سنوات التكوين في مسيرتها، وهي مرحلة وسمتها بـ"الاستعارة البصرية" من صور وأنماط مألوفة: رسوم كرتونية، قلوب، شموس، زهور، حيوانات، وأشكال هندسية، وغيرها. عملت كاتوندا على مواد تجمع بين المصنوع يدوياً والمنتَج بكميات كبيرة مثل الأقمشة، المناشف، البطانيات، الفرو الصناعي، البلاستيك، الجلد، وحتى قطع الأحجيات، لتنتج أعمالاً تطمس الحدود بين الرسم والنحت.[iv] ومن خلال اقتطاع هذه العناصر المنزلية والمرِحة من سياقاتها المألوفة، وإعادة إدراجها في سياقات جديدة، غريبة ومُقلِقة، كانت تفكّك ارتباطاتها اليومية، لتخلق ما وصفته فرناندا برينر بـ"مصائد دلالية". والنتيجة أعمالٌ تستدعي المتلقي إلى منطقةٍ حدّية، يتوتر فيها المعنى بين وظيفة الصورة الأصلية وحضورها الجديد، فتغدو مساحةً للاعتراف وإعادة التأويل في آنٍ معاً.
غير أن تفكيك هذه الارتباطات اليومية لم يَحُل دون تعرّض أعمالها المبكرة لقراءاتٍ سردية مباشرة أكثر مما ينبغي. وإزاء ما وصفته بـ"النظرة الطفولية" التي أُسقطت على تجربتها، بدأت تبحث عن مسارٍ أكثر كثافةً وانضباطاً من حيث الفكرة.[v] وبحلول عام 1991، كانت الأنماط المألوفة التي طبعت أعمالها قد تلاشت إلى حدٍّ كبير، مفسحة المجال لتكوينات أكثر تجريداً. ومع ذلك، ظلّ مبدأ "الاستعارة البصرية المادية" الذي يشكّل جوهر لغتها الفنية ثابتاً دون تغيير.
في هذه المرحلة الانتقالية، برزت أشكال مثل البطون، والألسنة، والحشرات، وغيرها من الرموز الهجينة أو شبه التجريدية، لتحلّ محل الزخارف النباتية والحيوانية السابقة. وكانت هذه الأشكال تُحيل إلى انتقالٍ واضح من الألفة السردية إلى تعبيرٍ أكثر غموضاً وحسّية. وإذا كانت أعمالها الأولى تُشبه لوحاتٍ تتخذ هيئة أشياء، فإن أعمالها اللاحقة قلبت هذه العلاقة، لتقدّم نفسها كأشياءٍ تشبه اللوحات: كيانات مستقلة، لا تكتفي بالتمثيل، بل تشغل الفضاء بقدر ما تصوّره.
في أعمالها الأحدث، تبدو كاتوندا وكأنها تعود إلى نقطة البداية، حيث تعاود الأنماط المنزلية من أعمالها المبكرة الظهور. غير أن هذه العناصر تتجاور الآن مع الأشكال التجريدية ذاتها التي سعت سابقاً إلى الابتعاد عنها. ففي أعمال مثل "قطرات شفافة" (2021) و"خنفساء" (2021)، تُطبَّق الأنماط الزهرية والهندسية والحيوانية على أقمشة مقصوصة بأشكال بيضوية، تتحوّل أحياناً إلى ألسنة، أو تنتفخ كالبطون، ثم تنزلق من جديد لتصير ألسنة مرة أخرى.
أما عملها "البطن" (1993)، فيتأمل لحظةً مفصلية في تطوّرها الفني؛ إذ يشكّل قطيعة واضحة بين مرحلتها الأولى وما تلاها، ويشير إلى بداية عملية "هضم" التحولات التي كانت تدور حولها. فالمعدة موضع توازن: يمكن أن تؤلم وتُهدّئ، أن تمتلئ أو تفرغ. ومن خلال منح لوحتها "بطناً"، تتيح كاتوندا لعملها إمكانية الألم أيضاً. وفي حالته المنتفخة، يوحي "البطن" بجسدٍ امتصّ أكثر مما ينبغي… وابتلع أكثر مما يحتمل. وكأن الفنانة قد منحت عملها عُسرَ هضم.
وكما في "البطن"، تبدو "معدة" كاتوندا في عملٍ دائم، تستقبل العالم من حولها، وتحوّل اضطراباته الثقافية والسياسية والفنية إلى أشكال تُلحّ على أن تُحَسّ، لا أن تُرى فحسب. يتجاوز هذا العمل حالة الاستواء، ويحتفي بالملمس، ويواصل طمس الحدود بين الصورة وبُعدها المادي، ليعيدنا دائماً إلى ذلك المعجم الجسدي الذي قدّمته في "البطن": الانتفاخ، الترهّل، الثقل.
وفي موازنة التوتر بين الألفة المنزلية والتعبير التجريدي، تمارس كاتوندا نوعاً من "الهضم الفني"، تعالج فيه الذاكرة والمادة والمعنى. وفي النهاية، تعود أعمالها إلى تلك العبارة الكامنة في "البطن".
"أنا هنا... أنا ثقيل... أنا حقيقي".