ثريا كريدية عن عمل ” اختبئ وخيّط” لعفراء الظاهري (2020)

يفتح عمل "اختبئ وخيّط"، على غرار صفحة بيضاء في بداية فصل جديد، فضاءً تأملياً يدعو الزوار إلى التفكير في الخصوصية والاهتمام والهياكل العمرانية الحميمة.

تتراكب طبقات من القماش الأبيض وتُخاط فوق بعضها كأغشية رقيقة، لتشكّل مجالاً تجريدياً من الأشكال الهندسية، في حين يتجمع العمق ضمن سطح محدود، فتستند الطبقات إلى بعضها، وتميل الواحدة منها نحو الأخرى، مما يضع درجات اللون الأبيض موضع تساؤل، ليقاوم طيف اللون بأكمله أي سكون أو وضوح. تشكّل الهندسة عنصراً محورياً في هذا العمل، لكنها تبقى غامضة وعصيّة على التحديد. 

 

استوحي عمل "اختبئ وخيط" (2020) من لعبة الغميضة الشهيرة، ويقدم تلاعباً بصرياً بين الشفافية ونفاذ الضوء. فبينما تظهر غرزة هنا، تتوارى أخرى هناك، وبينما تبدو بعض الحواف حادة وواضحة، تظهر أخرى أقل وضوحاً. وبفضل تعليقه بخفة أو تثبيته بدقة، يتأرجح القماش الأبيض الشفاف بين الشكلين السطحي والعميق، ليكشف من التفاصيل بقدر ما يخفي. يدعو هذا التفاعل الغامض المشاهد للتمعن في القماش، متسائلاً عما يبديه أو يخفيه. 

 

قد يتقاطع هذا الأسلوب مع ممارسات الفن الحديث، مثل أعمال "إيف كلاين" أو "أغنيس مارتن"، وهما فنانان سخّرا قوة اللون الواحد وما يمكن أن يثيره من دلالات. يتيح اللون الواحد وسيلة لاستكشاف مفاهيم الحضور والغياب، فهو يركّز على كيفية تفاعل اللون مع الفضاء المحيط، حيث يبدو وكأنه يتغير مع الضوء والظلال وحركة المشاهد، مما يحفز "الإسقاط الخيالي" لدى المتلقي[i].

 

في معرضها "دائرة حائرة"، توظف عفراء الظاهري لغة اللون الواحد عبر طبقات من القماش والحبال والمواد المخيطة. وبدلاً من التعامل مع اللون الأبيض كعنصر شكلي ونقي، تضعه الفنانة في سياق يكشف عن إيماءات هادئة، وتكرارات، ومواقف عاطفية تشكّل تفاصيل الحياة اليومية. وضمن سياق المعرض، يصبح عمل "اختبئ وخيّط" وقفةً أو عتبةً فاصلة بين فعل الخياطة والأبعاد الاجتماعية الأوسع للحياة المنزلية والظهور، ليصبح العمل بمثابة صفحة بيضاء تعلن بداية فصل جديد، ويفتح مساحة للتأمل، ويدعو المشاهدين لاستكشاف مفاهيم الخصوصية والاهتمام والهياكل العمرانية الحميمة التي ترسم معالم السياق الذي تعمل به الفنانة. 

 

يلفت عمل "اختبئ وخيّط" الانتباه من خلال رقّته وليس عبر الإيماءات الصارخة، حيث يبدو العمل من النظرة الأولى كشبكة قطنية هشّة من الغرز المتراكمة، لكنه يتجاوز السطح ليكشف ويخفي أفكاراً متجذرة في الذاكرة والحياة المنزلية والإيقاعات الثقافية لمنطقة الخليج العربي. يعدّ مفهوما الخصوصية والولوج ركيزتين أساسيتين في العمارة المحلية في المنطقة، ومن هذا المنطلق، يؤدي العمل دوراً يشبه دور "الفناء" في البيت التقليدي. 

 

يرتكز البيت برمّته على الفناء، فهو يمثل عتبة مفتوحة تتوسط العالمين الخاص والعام، وينظم حركة الرؤية والتنقل داخل أجزاء المنزل. وإذ يحيط بالفناء جدران خارجية سميكة تضمن الخصوصية، فإنه يخلق علاقة مدروسة بين الداخل والخارج، مشكلاً ما يمكن وصفه بالفضاء المفتوح المنطوي على ذاته[ii].


غالباً ما يُراعى في تصميم هذه البيوت درجات الخصوصية، حيث تتماشى الفضاءات العامة مع الشارع، ثم تتدرج نحو الداخل وصولاً إلى المناطق الأكثر خصوصية. تتضح التقسيمات المكانية الجندرية والحدود الاجتماعية في هذا التسلسل، فالمجلس، وهو فضاء استقبال مخصص للرجال، غالباً ما يتموضع ككتلة منفصلة باتجاه الخارج، بينما تقع مساحات النساء في عمق المنزل. من ناحية أخرى، تتطلب الحركة داخل البيت عبور سلسلة من العتبات، كالفناء، والممرات، والستائر، والقواطع القماشية، والممرات المظللة، والتي تعمل جميعها على تنظيم الحركة وتحديد ما يستطيع أي شخص رؤيته ومتى[iii].

 

من خلال هذه الرؤية، يعكس العمل التنظيم الاجتماعي للظهور الذي يشكّل المساحات الداخلية في الخليج، موازناً بين كرم الضيافة والتحفّظ، وبين الانفتاح والاهتمام. الاحتجاب هنا ليس مطلقاً، حيث تسمح الطبقات بمرور الضوء، مما يشير إلى أن الخصوصية هي عملية تفاوض مستمرة بين الانفتاح والحماية. كما يدعو العمل المشاهد للتأمل في كيفية تحديد التوقعات الثقافية لما يُكشف وما يظل طي الكتمان، محاكياً الطريقة التي يتبعها الأفراد في التعامل مع هذه القواعد في حياتهم اليومية. 

 

تتبنى الظاهري هذا الغموض من خلال خاماتها، فهي تستخدم أقمشة التنظيف شبه الشفافة الموجودة في كل منزل. ومن خلال إبراز عملية الصناعة، تحول الفنانة الزمن نفسه إلى مادة، إذ تصبح كل غرزة علامة زمنية، وإيماءة للاهتمام تحمل في طياتها الحميمية والإيقاع. يبدو التكرار في عملها تأملياً وليس آلياً، ويحاكي المداولات والمشاعر والجهود غير المرئية التي تتجلى داخل الفضاءات المنزلية. تستحضر الفنانة نشاطاً يُمارس تقليدياً في أكثر زوايا المنزل خصوصية، لتعيد صياغته وتقديمه للعلن. وبهذا المعنى، تتقاطع ممارستها مع سلالة من الفنانات من لويس بورجوا إلى شخصيات مثل إيتيل عدنان وسامية حلبي ومنى حاطوم، اللواتي لجأن إلى المنسوجات لتحدي التراتبية الجندرية في الإنتاج الفني. ورغم تهميش الخياطة والتطريز لفترة طويلة باعتبارهما مجرد حرفتان يدويتان محصورتان في النطاق المنزلي أو التقاليد الإقليمية، إلا أنهما تحملان طاقة جوهرية يعيد عمل الظاهري تفعيلها بهدوء وقوة. 

 

يحمل عمل "اختبئ وخيّط" هذه الطاقة الجوهرية لجهود الاهتمام في أبسط حركاتها، وهي الخياطة والطبقات والطيّ. تنقل الفنانة هذه الإيماءات إلى الشبكة الهندسية، وهي البنية التي نظمت أوائل أعمال اللون الأحادي الحداثية. ومن الوهلة الأولى، يبدو العمل تقليلياً، ويكاد يكون مضطرباً، إلا أن هذه الهشاشة هي تحديداً ما يمنحه ثباته. ومن خلال وضع فعل الخياطة ضمن اللغة البصرية للتجريد، تتناول الظاهري مفهوم الفصل المتقلب بين العمل المنزلي "الأنثوي" بوصفه حِرفة، وبين الحياد المزعوم والمادية التجريبية للشكل الحداثي. 


هاي، كينيث جي. تفكيك مفهوم اللون الأحادي: تأملات حول الصمت في الفن، مجلة "انترفيسيس. إيميج-تيكست-لانغويج" 9، العدد 1 (1996): 31-44. 

[1] المهندي، أسماء صالح، ورافاييلو فورلان. "الطبيعة المكانية للبيوت الشعبية ذات الأفنية في منطقة الخليج العربي". التراث 8، العدد 7 (2025): 268. https://doi.org/10.3390/heritage8070268

[1] المرجع نفسه.