قراءة يلدا بيدشهري لـ “اطلها بالفضّة” (2015) لباباك أفراسيابي ونسرين طبطبائي

ينطلق العمل الفني "اطلها بالفضّة" من مسالك التهريب إلى حالات التلبّس، ليكشف منظومة تبادل تتأرجح بين المادي وغير المادي.

يلدا بيدشهري

 

على خلفية الحرب، أجدني أنجذب إلى البحر والصحراء والجبال. يراودني اندفاع نحو مرافقة ما يتجاوز إلحاح اللحظة. ومع تأملي في الكيفية التي ترسم بها البُنى البطريركية، بما تحمله من عنف، وعوداً بالخلاص، يتضح لي أن الأرض تمضي بقوة الحياة عبر إيقاعاتها الطبيعية.

 

ضمن هذا الإطار، توجهتُ إلى مصنع كلباء للثلج، في مدينة تتوسّط خليج عُمان وجبال الحجر على الساحل الشرقي للإمارات. بدأ هذا الموقع كمطحنة لأعلاف الأسماك ثم تحوّل إلى فضاء فني. تستضيف القاعة حالياً معرض "من أرض ومياه: أعمال من مقتنيات مؤسسة الشارقة للفنون". يستلهم المعرض ثيمته من الكلمة الملايوية "تاناه آير"، التي تجمع الأرض والماء في مفهوم واحد للانتماء، وتفتح تصوراً يتجاوز الحدود الجغرافية وأطر الكيانات السياسية. يتدفق الماء عبر هذه الامتدادات، حاملاً معه تواريخ وأساطير وأشكال معرفة تتسع وتستمر.

 

يقع عمل الفيديو "اطلها بالفضّة" (2015) للفنانين باباك أفراسيابي ونسرين طبطبائي ضمن مساحة عرض شبه مغلقة تستحضر هيئة الكهف، ويتتبع مسارات العبور عبر مضيق هرمز. يحضر الماء في الفيلم كسطح يستدعي انتباهاً متواصلاً. تستقرّ الكاميرا في لقطات عديدة، فتتكشّف حركات الماء الهادئة داخل الكادر، وتتماهى ألوانه مع السماء. يغيّر امتداد هذه اللقطات إيقاع المشاهدة، ويقود المتلقي إلى وتيرة أبطأ. يستدرجك الفيلم إلى عالمه بهدوء، فتنساب معه كتموّجات الماء الخفيفة. 


تعبر المراكب الشراعية الأفق الضبابي بهدوء بين إيران والإمارات وقطر وعُمان. تلامس القوارب حافة الشاطئ، ويتقدّم أشخاص عبر المياه الضحلة لاستقبالها. تنتقل البضائع المكدّسة من يد إلى أخرى في حركة متواصلة. أثناء أحد المشاهد، يحمل رجل يرتدي سترة رسمية رجلاً آخر على ظهره، ويرفعه فوق الماء في طريقهما نحو الداخل. يركّز باباك أفراسيابي ونسرين طبطبائي هنا على العمل اليومي الذي غالباً ما يغيب عن الانتباه، مع حضوره الأساسي في دعم عمليات العبور. تتنقّل البضائع ضمن اقتصاديات غير رسمية، يحملها أشخاص تشكّلت معرفتهم بالبحر عبر التجربة المباشرة. يسأل أحدهم من خلف الكاميرا شابين على متن قارب: "هل تستخدمان بوصلة؟" الجواب: لا. لقد مرّوا عبر هذه المياه مرات كثيرة حتى حفظوا تفاصيلها عن ظهر قلب.


يضمّ الفيلم تسجيلات ميدانية بالفارسية مع سكّان هذه السواحل، تتداخل أصواتهم مع الصورة وتبتعد عنها، فتلتقي أحياناً بما يظهر وتبقى أحياناً أخرى على هامشه. تقدّم هذه الشهادات إشارات تأويلية، وتوجّه النظر من دون أن تثبّت المعنى في صيغة واحدة.


إلى جانب شحنات الوقود والأسماك والملابس والسجائر، تظهر أنماط أخرى من التداول. يتتبّع الفيلم حضور "الريح" التي تعبر مسارات التجارة التاريخية. تتحرك الريح ها هنا مثل البحر، وتواصل عبورها عبر الحدود؛ تدخل الجسد ثم تستقر فيه، وتستدعي قرابين مثل خواتم من الفيروز، وصحون من الحلوى، وأعواد الروطان المطلية بالفضة، وهي العملية التي يحمل الفيلم اسمها. يرد في الحكايات أن هذه الأرواح ظهرت أولاً بين صيادي اللؤلؤ، ثم انتشرت بين المجتمعات الممتدة على سواحل الخليج.

 

في مشاهد البر، يتابع باباك أفراسيابي ونسرين طبطبائي تاريخ هذه الأرواح عبر طقوس وورش وحوارات مع معالجين متخصصين بحالات التلبّس. يروي أحدهم كيف تلاحظك الريح أثناء سيرك في الشارع، فتقع في حبك. تبدأ العلاقة من طرف واحد، ثم تنمو مع الزمن وتكتسب شكلاً متبادلاً. يشرح أن كائنات أخرى مثل الجنّ تمضي، بينما تواصل الرياح حضورها. تنتقل هذه القوى عبر الأجيال والجغرافيا، وتستدعي أشكالاً من العناية تتجاوز الطب المؤسسي. يتعامل الناس معها بالمساومة والتهدئة، ويطوّرون سُبلاً للعيش معها.

 

في لقطات أخرى، يتوجّه الفيلم إلى جداريات مرسومة على جدران الشوارع، تُظهر طيوراً محلّقة، وسفناً تنساب فوق الماء، وبيوتاً تقليدية تعلوها أبراج الريح. في أحد المقاطع، يروي صوتٌ حكاية شابة أُصيبت بوعكة، تُنسب حالتها إلى الريح، ويوضح المتحدث أن هذه الريح تحضر حيث يكون البحر، وتحمل أسماءً وهويات محدّدة، يتعامل الناس معها كحضور قائم داخل المجتمع، مع أنها لا تستقر بما يسمح برؤيتها. ويُشار إلى من تمرّ بهم هذه الحالة بمسمّى "أهل الهواء"، في تمييز عن أهل البر والبحر.

 

يقارن صوت آخر هذه الحالة بإحساس قريب من التخدير، كأن الذاكرة تنزلق لوهلة. يقول: "عندما استيقظت، غطّى رأسي قماش أبيض، وحملتُ عود رَوطان وارتديت خاتماً فضياً". يعيد منشأ هذه الريح إلى لقاء جرى في دبي، ويرجّح أنها انتقلت إليه عبر امرأة عُمانية، في واقعة جديدة على تاريخ عائلته. يتحدث عن مرض وتورّم ازدادا مع العلاج الطبي، ثم بدأت حالته تستقر بعد سلسلة من الطقوس. خلال ذلك، يوجّه باباك أفراسيابي ونسرين طبطبائي الكاميرا نحو الجداريات، ويطيلان التوقف عند صور مرسومة لجبال وشمس وبحر مفتوح، بينما تتكشف الحكايات حول القوى التي تعبر هذه الفضاءات.


ينطلق هذ العمل الفني "اطلها بالفضّة" من مسالك التهريب إلى حالات التلبّس، ليكشف منظومة تبادل تتأرجح بين المادي وغير المادي. في اللحظة الراهنة، تتحول هذه المياه إلى فضاء توتر وتعطّل. ومع ذلك، يظهر المضيق داخل الفيلم كساحة تستمر فيها حركة الحياة عبر الأجيال والجغرافيا رغم الحدود.  في حاضر تتكثّف فيه صور الدمار والقلق، أجد طمأنينة في التوجّه نحو الأرض، بمياهها، ورياحها التي تعبر فينا وتمتدّ إلى ما بعدنا. ويمنحني هذا التوجّه أملاً بأن الحياة، مهما تعدّدت محاولات إحكام السيطرة عليها، تواصل انفتاحها.