: قراءة لندى أماكي في “جرّة” (2025) لعهد العمودي

في عمل الفنانة عهد العمودي "جرّة" (2025)، يتسلّل رمز ثقافي غير متوقَّع إلى المشهد البصري في الخليج: شعار سناب شات.

ندى أماكي

يتخذ  العمل المعنون "جرّة" (2025) للفنانة عهد العمودي من ست لوحات امتداده واستلهامه ألوان الكثبان الرملية، مقدّماً مشاهد متراكبة ومفككة مستمدّة من مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. يعرض هذا العمل متعدد الأجزاء، الذي جاء بتكليف من مؤسسة الشارقة للفنون، رجلاً يتتبّع بمهارة آثار إطارات أنواع مختلفة من السيارات، مستعرضاً خبرته بالمركبات وبالكثبان على حد سواء، وهو يميّز الفروقات بين الأنماط التي تخلّفها الإطارات على الرمال.

 

وتتبدّى حوله إشارات مألوفة لنزهة في الصحراء: مركبة دفع رباعي بلون بيج وأحمر؛ فناجين قهوة نصف ممتلئة، بما تحمله من دلالات على الضيافة والتقاليد الخليجية؛ كثبان رملية متموجة؛ وإلى جانب ذلك، يبرز الشبح الأصفر المتحرّك لشعار "سناب شات".

 

لم تصل العمودي إلى هذا الفيديو في صيغته الأصلية، بل عبر نسخة معاد تداولها على منصة أخرى. عمدت إلى التقاط لقطات شاشة لمشاهد متفرقة، ثم طبعتها على القماش قبل أن تعيد الاشتغال عليها رسماً. ومن خلال هذا المسار البصري المركّب، تتلاشى الحدود بين الملكية وما يُعدّ منتمياً إلى المجال العام في زمن تداول الصور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما تتداخل رموز العصر الرقمي مع النسيج البصري للحياة اليومية في الخليج العربي.


لا تُعدّ موضوعات الخليج، تاريخاً وواقعاً معاصراً، ولا الرموز الثقافية أو الوسائط الرقمية، جديدةً على واحدة من أبرز الفنانات الصاعدات في المملكة العربية السعودية. ففي ممارستها الفنية، توظّف عهد العمودي الفكاهة كأداةً للتفكير في دور الرموز الثقافية، ومنها الصقور، والكثبان الرملية، والموسيقى التقليدية، في تشكيل السرديات المرتبطة بالهوية السعودية وإعادة تعريفها، وذلك في سياق تحوّلات متسارعة تطال المستويات العمرانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية في منطقة الخليج.


يتجلّى هذا الاشتغال بوضوح في الفيديو التركيبي ثنائي القناة "ما هذا؟!" (2026)، الذي قُدّم ضمن المعرض الفردي للفنانة "قبلة شمس" في مؤسسة الشارقة للفنون. وكما تتبدّل معاني ومآلات محتوى وسائل التواصل الاجتماعي أثناء انتقاله عبر شبكات رقمية واسعة، تعيد العمودي تشكيل الخلفية البصرية في "ما هذا؟!" بما يتلاءم مع سياق كل معرض.


في نسخة "قبلة شمس"، يظهر صقران متحرّكان يقفان ظهراً إلى ظهر أمام كثبان رملية ساكنة تتخلّلها آثار الإطارات. ويتفاعلان عبر حركات متقطّعة أقرب إلى حركة الدمى، في استجابةٍ متردّدة لما يطرأ من تغيّرات في محيطهما والعالم من حولهما، بينما يتسرّب إلى حوارهما إحساس بالملل وتوقٌ إلى التغيير. واستناداً إلى حضور الصقور الراسخ في التاريخ الثقافي للمنطقة واستمراريته، يمثّل "ما هذا؟!" نموذجاً لمنهج العمودي في موضعة الحاضر ضمن امتداد زمني يتقاطع فيه الماضي مع المستقبل؛ حيث تلتقي الرموز التقليدية بالوسائط المعاصرة لاستنطاق اللحظة الراهنة. وفي حوار مع "جرّة"، يستحضر عملها "ما هذا؟!" مشاهد الطبيعة الممتدة عبر شبه الجزيرة ليصل بين سرديات الزمن والتقاليد التي تشكّل محوراً أساسياً في ممارستها الفنية. كما تعكس ألوان الفنانة، من درجات البني المستوحاة من الكثبان، إلى أصفر وبرتقالي الغروب، وصولاً إلى الأحمر الرمّاني، حيوية الجيل الذي يقف في قلب هذا التحوّل وطاقته.

 

على المستوى المادي، يتأرجح عمل "جرّة" بين لقطة شاشة رقمية، وسلسلة فوتوغرافية، ولوحة طبيعة صامتة. ويعكس هذا الالتباس في الوسيط تعقيدات المشهد الرقمي الذي يستند إليه، فالنصوص التوضيحية والعلامات المائية المضافة إلى الفيديو الأصلي تشهد على عمليات التأويل والتلاعب وإعادة التملّك التي قام بها صنّاع محتوى آخرون سعياً للوصول إلى متابعين جدد. ورغم غموض مسار تداول الفيديو، فإن كل طبقة إضافية، وكل أثر لانتقاله عبر منصات تواصل مختلفة، من علامات مائية، ونصوص، وتدرّج بصري، وفقدان في الدقة، يُباعد بينه وبين منتجه الأصلي ومالكه. وهو ما يزيد من تعقيد العلاقة بين محتوى الفيديو (ومن ثم الصور واللوحات لاحقاً) ومُبدعه الأول. وتأخذ العمودي هذا المفهوم خطوة أبعد، حين تنقل الفيديو إلى وسيط مادي وحيّز فيزيائي، فتعيد الاشتغال على مشاهده المجمدة بالرسم، مثبتةً لحظات بعينها ضمن الزمن، ومدمجةً إياها في عالمها الخاص.

 

وإلى جانب إحالات العمل إلى أصوله الرقمية وسلاسل تداوله المعقّدة، تشير اللوحات مباشرةً إلى الرموز التي تشغل الخيال البصري للفنانة: مركبات الدفع الرباعي الصحراوية، والكثبان الرملية، وغيرها. إلا أن الفنانة تُدخل أيضاً عنصراً بصرياً جديداً: الشعار الشبحي الأصفر لتطبيق "سناب شات" للرسائل الخاصة ومشاركة الصور. أُطلق التطبيق عام 2011، ويضم ما يقارب مليار مستخدم نشط شهرياً حول العالم، مع حضور لافت في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ففي المملكة العربية السعودية وحدها، يُعدّ خامس أكبر سوق عالمياً بنحو 25 مليون مستخدم، مع نسبة انتشار تقارب 90% بين الفئة العمرية 13–34 عاماً. أما في دولة الإمارات العربية المتحدة، فيستخدمه نحو ثلث من تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً.

 

ويشير القائمون على المنصة إلى أن "سناب شات" يمثّل امتداداً رقمياً طبيعياً لأنماط التفاعل الاجتماعي في دول الخليج، إذ يحاكي أشكال التواصل اليومية. كما أن "الرسائل الزائلة، وأدوات الخصوصية، والتركيز على الروابط الحقيقية مع الأصدقاء المقرّبين والعائلة وأصحاب التأثير" تجعل المنصة جذابة لمستخدميها في المنطقة، إذ تتيح لهم مشاركة المحتوى بشكل خاص بعيداً عن ضغوط الظهور العلني. كما أن تركيز التطبيق على الخصوصية، ولا سيما عبر خاصيات مثل اختفاء الرسائل والتنبيه عند التقاط لقطات شاشة، ينسجم مع منظومة القيم الثقافية لدى كثير من المستخدمين، ما يعزّز مكانته البارزة بين منصات التواصل الاجتماعي في الخليج.

 

في "جرّة"، تظهر العلامة المائية لشبح "سناب شات" باسم المستخدم  (hamadaa_331)، في إشارة إلى مستخدم يعرّف نفسه بـ"الرحالة النادر". وفي صيغته الأصلية، يتحرّك هذا الشبح عبر الفيديو كعلامة مائية متبدّلة. تستعيد العمودي هذه الحركة من خلال تثبيت الأيقونة في مواضع مختلفة داخل تكويناتها. ومن خلال هذه الإشارة، تقيم مقارنة دقيقة بين الطبيعة الزائلة للمحتوى المتداول عبر "سناب شات"، وطبيعة آثار الإطارات الزائلة، وحركة الرمال المتغيّرة في الصحراء. فمشاهدة هذه الآثار وهذا الفيديو تعني العيش داخل لحظة محدّدة تم التقاطها ومشاركتها. ومع ذلك، تعمل العمودي على تقويض هذه الطبيعة الزائلة، إذ تثبّت المشهد، أو بالأحرى لحظة بعينها منه، على سطح اللوحة. وبينما يقوم بطل المشهد بمحو أنماط الإطارات تباعاً، يتبدّى أن إمكانات التجدد التي تتيحها الصحراء والفضاء الرقمي ليست بعيدة عن بعضها، فالمحو يفتح مجالاً للتغيير، والتغيير يحمل وعداً بمستقبل جديد.